الثلاثاء، 10 يونيو 2014

لماذا كان الشر من المخلوق وليس الخالق



الشر هو أحد طرفى المعادلة الحتمية المتولدة عن الإرادة الحرة فى الاختيار التى جبل الله سبحانه وتعالى عليها المخلوقات المخاطبة بالتكليف. والشر فى أصله ليس ظرفًا ابتدائيًا أصيلًا، لكنه ينشأ كمحصلة لانحراف أفعال المخلوق المكلف عن الوجهة الإلهية. وقد اتفقت الأديان السماوية من ناحية وكثير من الأديان الوضعية وكذا العديد من الفلسفات والرؤى الأدبية على ربط الشر بشخص الشيطان الذى يجسد المنبع الأزلى للشر. والشيطان أو إبليس بحسب القرآن الكريم هو مخلوق كان يأتمر بنفس الأوامر التى تأتمر بها الملائكة الذين يأتون فى أعلى مراتب الخلق من حيث الخيرية. وإنما نال إبليس هذه المكانة التى أدخلته فى عموم الملائكة المخاطبين بأمر الله سبحانه وتعالى لما كان عليه إبليس من التزام للوجهة الإلهية. فلما حاد إبليس عن الأمر الإلهى مختارًا لمتابعة هوى نفسه فى إنفاذ رذيلة الكبر التى صورت له أفضلية زائفة على آدم بفعل قياس مغلوط، كان جزاؤه أن يهبط من تلك المنزلة لأنه شطن عن الحق فأصبح شيطانًا. وتوالت الأحداث وأصبحت الرذيلة الواحدة رذائل. وأصبح الحسد قرين الكبر عند إبليس. فكان الشر. ثم إن الله سبحانه وتعالى أمر آدم وزوجه بالحذر من إبليس المخلوق الذى لوثه الشر. وسكن آدم الجنة بأمر ربه سكنًا رغدًا لا يجوع فيها ولا يعرى ولا يظمأ فيها ولا يضحى.  وكان التكليف حينئذ منحصر فى عدم الاقتراب من شجرة ما. وبغض النظر عن طبيعة الشجرة وكونها شجرة المعرفة أو غيرها من الأشجار المعروفة، فقد كان المحك هو الالتزام بالامتناع لأن المخالفة حتمًا ستؤدى لتولد واقع جديد بمعطيات جديدة تتضمن الشر الذى لم يكن موجودًا ابتداءً.  وكانت التجربة الأولى حين خاطب الشيطان حب التملك والطمع داخل الإنسان ليجعله يترك ما بين يديه ويلهث وراء خلود لم تكن به إليه حاجة  فى ظل ما ينعم به من خير. ومجددًا كانت المخالفة هى السبيل إلى الشر. وكان الطمع فيما سيكون سببًا مباشرًا فى زوال ما هو كائن من نعيم مقيم. ثم إن الإنسان قد هبط إلى الأرض مع تحذير صريح من أن الشيطان عدو ولا يصلح معه إلا اتخاذه عدوا، وأن سبيل المواجهة والنجاة يتمثل فى التزام الهدى الإلهى لأن الأصل فى خروج الشر إلى سياق الوجود هو الانحراف عن الوجهة الإلهية. ثم إن الإنسان أبى إلا أن يجمع بين خطيئة الشيطان فى الحسد وخطيئة أبيه آدم فى الطمع. فطمع الأخ فى حظ أخيه. وحسد الأخ أخاه. وانجرف الإنسان فى تيار الغى حتى أخرج الشر إلى سياق الوجود من جديد بانحرافه عن الوجهة الإلهية واقترافه لأم الخطايا والرذائل. وقتل الإنسان النفس التى حرم الله قتلها إلا بالحق. وهكذا فإن الشر يكون دائمًا وأبدًا المحصلة الحتمية الناتجة عن قيام المخلوق المكلف بالانحراف مختارًا عن الوجهة الإلهية.
وكان المخلوق المكلف فى بداية أمره يحيا فى أعلى المراتب وأرفعها. فهذا إبليس يحيا فى مصاف الملائكة المكرمين. فأبت نفسه إلا أن تعصى بفعل الهوى المدفوع بالكبر والحسد، فكانت النتيجة الطرد والهبوط لمنزلة الشياطين. فلما صاحب ذلك إصرار وعناد وعدم رجوع عن الغى عن طريق التوبة، صارت اللعنة لعنةً أبدية لا فكاك منها أبد الدهر. أما آدم فقد جاءه العهد من ربه يسكنه جنة لا جوع فيها ولا ظمأ ولا عرى ولا منغصات طالما التزم بأمر ربه فى عدم الاقتراب مما حرم عليه. فكانت إطاعة الهوى ومخالفة الوجهة الإلهية سببا فى تبدل السياق، وخروج الإنسان من عالم السمو إلى عالم سفلى تحكمه الأسباب والسنن التى لا تستقيم موازين الحياة إلا بها. وتاب آدم وهبط إلى الحياة الدنيا. فكانت حياة الإنسان التى يكدح فيها كدحًا حتى يلقى ربه سبحانه وتعالى. وهى حياة قوامها التوازن والعلة والفعل والنتيجة. فكل شيء فيها مخلوق بقدر. تموت أجيال لتحيا أخرى. فلو لم يكن الموت، لظلت الثروات ومقاليد الأمور بأيدى أجيال بعينها، ولضاقت الدنيا بساكنيها. فكانت سنة الاستخلاف والاستبدال التى مكنت كل جيل من البشر أن يأخذ حظه من الحياة على الأرض ويرثها من سلفه، فيعمرها ويسير فيها بسيرته قبل أن يورثها لخلفه. وكان المرض. فلو لم يكن المرض لما سعى الإنسان ليتعلم ويكشف كنه الحياة ولما كان هناك طب وعلوم حياة وكيمياء. ولولا المرض لما كانت التجارب الإنسانية الثرية التى نحتتها معاول الألم والوجد والشوق واليتم والترمل والثكل. تلك التجارب التى وهبت للبشرية شعرائها وفلاسفتها وأدبائها. ولولا المرض لما استشعرت النفس البشرية وحشتها فى هذه الحياة القصيرة، ولظنت أن هذا هو المآل، ولما تاقت إلى حياة السمو الأبدى التى فارقتها فراقًا مؤقتًا ولما استأنست لضعفها بالمدد من ربها.
ولو لم تكن الزلازل والبراكين، لما كان الإنسان قد استطاع إلى كنوز الأرض وخيراتها سبيلًا. وما كان قد انتفع بذهب ولا فضة ولا ماس ولا فحم ولا نفط.
وهكذا هى سنن الله فى حياتنا الدنيا. نحيا فيها فى كبد. فمن صبر والتزم الوجهة الإلهية وغادر تلك الحياة وهو على تلك الحال، كان مآله إلى حياة السمو الأبدية التى خرج منها الإنسان فى حال المبتدأ بفعل خطيئته وانحرافه عن أمر الله. أما من اتخذ الكبر ديدنًا والعناد منهجًا، فقد ألحق نفسه بعالم الأسفلين الذى هبط إليه إبليس وكل من تابعه من الشياطين.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق