الجمعة، 16 مايو 2014

مسألة الرق فى الإسلام


الأصل فى الإنسان أن الله سبحانه وتعالى قد خلقه حرًا. فلا يجوز لأحد أن يبيع أحد فى المطلق أو يسلبه حريته. فقد جاء فى كتاب البيوع فى صحيح البخارى ما نصه "حدثني بشر بن مرحوم حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره" حديث 2114. ولقد جاء الإسلام والرق منتشر فى ربوع الأرض ولم يكن أحد يومئذ سواء من أتباع الرسالات السماوية السابقة أو من الوثنيين يكاد يعلم للرقيق حقًا أو يتعامل معهم بوصفهم بشر. فعمد الإسلام إلى إلغاء كافة الطرق التى يمكن أن يسلب الإنسان من خلالها حريته سواء بطريق السطو أو الخطف أو إغارة قبيلة قوية على أخرى ضعيفة أو بيع الإنسان لأولاده لدفع الفقر المدقع أو بيع الإنسان لنفسه وفاءً لدين إلى غير ذلك من الصور، ولم يبقى الإسلام إلا على ثلاثة مصادر من مصادر الرق؛ أحدهم أساسى والمصدريْن الآخريْن تابعيْن له. المصدر الأول هو من خلال الحرب بين جيوش المسلمين والكفار بهدف الدفاع عن الدين ضد عدوان الكافرين. والمصدر الثان هو أن يولد الإنسان لأم من الرقيق (أمة) ولا يكون أبوه هو مالك تلك الأمة. فلو كان أبوه هو مالك الأمة صارت تلك الأمة أم ولد ولا يحل بيعها ولا أن تصبح ميراث ويصبح ولدها وريثًا لذلك السيد مثله مثل أولاده من زوجاته الأخريات. والمصدر الثالث هو أن يرث الإنسان ملك اليمين بالميراث الشرعى أو يشتريه من مالكه أو أن يهبه له المالك.

وقد شرع القتال فى الإسلام مصداقًا لقوله تعالى " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين". الأية 190 سورة البقرة. فجعل الله سبحانه وتعالى الغرض من القتال هو الدفاع عن الدين والنفس، وأمر المسلمين بألا يعتدوا بأن يكونوا هم البادئين بالقتال، وإنما يكون القتال ضد من يعتدى أو يحرض ويدبر المكائد التى تهدف إلى القضاء على دولة المسلمين. ويكون الأمر على التخيير. فيقوم قائد جيش المسلمين بعرض الإسلام على المعتدين  ثم يعرض عليهم الجزية إذا كانوا من أهل الكتاب أو المجوس وذلك فى حالة رفض الإسلام، ثم لا يبقى إلا القتال فى حالة رفض الخيارين السابقين. ومن جملة الأمور التى عدها العلماء اعتداء لا يجوز للمحارب المسلم الوقوع فيه هو قتل غير المقاتلين من الشيوخ والنساء والأطفال. فقد جاء فى نفس المرجع السابق (صحيح البخارى- كتاب البيوع- شرح حديث 2114) ما نصه "أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو بكر بن سهل القهستاني المعروف بأبي تراب أخبرنا محمد بن عيسى الطرسوسي أخبرنا يحيى بن بكير أخبرنا الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن شعبة عن علقمة بن يزيد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال اغزوا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا ولا شيخا كبيرا". 
وعند الحرب وقتال المعتدين، يتعين على المقاتل المسلم الثبات فى وجه العدو وقتاله قتال لا هوادة فيه لأنه بعد رفض العدو لكل الخيارات السلمية فليس هناك مفر من الوقوف فى وجهه وكسر شوكته دفاعًا عن كيان المسلمين. يقول الله سبحانه وتعالى فى سورة محمد "الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)".  ومن الآيات السابقة يتضح أنه:
1.    عند بدء القتال مع الكفار يتعين قتالهم قتال لا هوادة فيه.
2.    الكفار كرهوا ما أنزل الله من الحق وأصروا على اتباع الباطل فأحبط أعمالهم.
3.    من ينال الشهادة من المسلمين فإن الله يجزيه الجنة.
4.    عند انكسار الكفار أمام المسلمين يكون الأمر بالخيار أمام ولى الأمر. فإما يعفو عن الأسرى أو أن يطالبهم بالفداء وفقًا لمصلحة جيش المسلمين وليس وفقًا لهواه.
5.    الفداء إما أن يكون بالمال أو أن يكون بتجنب القتل عن طريق الرق وهو المصدر الأساسى لملك اليمين فى الإسلام. وتتمثل مصلحة المسلمين فى استرقاق أسراهم حين يعجز هؤلاء الأسرى عن دفع المال ويكون إطلاقهم بالعفو عنهم فيه تقوية لشوكة العدو لأنهم سيعودون ويقاتلون فى صفوفه مرة أخرى، وكذا ينطبق الأمر على النساء ممن يكونون فى صفوف جيش العدو ويؤدون مهام لوجستية وطبية تتعلق بتجهيز المؤن والطعام والشراب ومعالجة المصابين. ومن ثم، يكون الحل الأمثل فى تلك الحالة هو أخذهم رقيقًا لحقن دمائهم. والأمر كما سبق توضيحه يقع على عاتق ولى الأمر، فله أن يعفو أو يقبل الفدية المالية أو أن يدفع كل الأسرى لمن أسروهم فيصبحوا رقيقًا وملك يمين لهم. جدير بالذكر أن ذلك لا يحدث حتى يتم إخراج فريضة الخمس من الغنائم إلى الأصناف التى حددها الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك يتم توزيع  الأربعة أخماس من الأنفال (الغنائم) على المحاربين.
ومما سبق يتضح الكيفية الوحيدة التى يمكن أن يقع بها الإنسان فى الرق فى ظل الإسلام. فالإنسان فى حال المبتدأ حر ليس بعبد إلا لله سبحانه وتعالى. فإذا أبى الإنسان أن يكون عبدًا لله سبحانه وتعالى وكفر به وقام بمحاربة عباده المؤمنين ، أوكله الله سبحانه وتعالى إلى قوته البشرية التى قد لا تنفعه وتجعله يقع فى الأسر فيصبح عبدًا لعبد مثله لأنه رفض أن يكون عبدًا لله سبحانه وتعالى من الأساس.
ومما شاع فى زماننا من الافتراءات أن المسلم له أن يعاشر كل أسيرة وقعت فى أسر المسلمين دون قيد أو شرط حتى أن الأمر قد وصل بالبعض ليصور للناس أن الجنود المسلمين كانوا يقيمون حفلات جماعية من الاعتداء الجنسى على النساء وهتك أعراضهن. وحقيقة الأمر أن ذلك يتنافى جملة وتفصيلًا مع ما جاء به الشرع الإسلامى وما هو ثابت فى سيرة النبى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام. ويتعين عند الحديث عن العلاقات الجنسية السوية فى حياة المسلم أو النكاح الشرعى أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد حدد للمسلم عددًا محددًا من الزوجات لا يجوز له أن يتعداه وهو أربع زوجات وعدد غير محدد من ملك اليمين. وحتى لا يتوهم واهم أن الأمر فيه سعة وفيه إطلاق لشهوات الرجل المسلم بحيث ينكح ما طاب له من النساء تحت مسمى ملك اليمين، فعلينا أن ننظر فى شروط الشرع التى حددها حتى يمكن للرجل أن يستحل علاقته بالمرأة بحكم ملك اليمين ليتبين لكل ذى عقل أن هذه الشروط من الصعوبة بحيث تجعل أمر ملك اليمين لن يتأتى إلا فى حدود ضيقة.
يقول الله سبحانه وتعالى فى سورة النساء الآية 3 " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا". فجعل الله سبحانه وتعالى النكاح على صورتين. الصورة الأولى هى الصورة التى ينكح فيها الرجل المرأة بعقد وصداق وموافقة ولى وهو الزواج. وحدد الله سبحانه وتعالى للرجل أربع زوجات من خلال هذا الباب لا يجوز له أن يتعداهن. والصورة الثانية من خلال ملك اليمين الشرعى. والدليل على ذلك قوله "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم". فجعل الله سبحانه وتعالى الواحدة التى هى ضمن الأربع صنف وملك اليمين صنف آخر، مما يدل على أن ملك اليمين لا تعد ضمن الزوجات، ومن ثم فلا صداق لها ولا عقد ولا موافقة ولى. ويتأكد نفس المعنى من خلال قوله تعالى في سورة المؤمنون الآيتين 5-6 "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ". فنجد أن الله سبحانه وتعالى قد فرق بين نوعين "أزواجهم" أو "ما ملكت أيمانهم". فلو كانت ملك اليمين زوجة لما كان الله سبحان وتعالى أخرجها من عداد الزوجات باستخدام حرف العطف "أو" الذى يفيد التنوع. أى أن صنف الزوجات غير صنف ملك اليمين، ولكل أحكامه كما جاء في السنة النبوية الشريفة.
وللرجل أن يتخذ ملك اليمين لأغراض عدة منها التملك والخدمة و التسرى وهو الوطء أى المعاشرة. فمتى وطء الرجل ملك اليمين أصبحت سرية. وحتى يجوز للرجل أن يتسرى بملك اليمين فيشترط ما يلى :
1.    أن تسلم المرأة أو أن تكون من أهل الكتاب وذلك لعموم قوله تعالى " وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " [البقرة :221]. وقد يقول قائل إن الآية تعنى النكاح بعقد أى الزواج وليس ملك اليمين. والصواب أن الأمر فى عموم نكاح المشركات سواء بالعقد أو بملك اليمين لجملة الأدلة الواردة فى سنة النبى صلى الله عليه وسلم. فلم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من صحابته قد تسرى بوثنية أو مجوسية. وإنما الثابت أن النبى صلى الله عليه وسلم قد تسرى بمارية القبطية التى أهداها له المقوقس عظيم القبط وكذلك بريحانة بنت شمعون وهى نصرانية. كما جاء عن الحسن البصرى وهو من أئمة التابعين قوله "  كنا نغزو مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا أصاب الجارية أحدهم من الفيء فأراد أن يصيبها أمرها فغسلت ثيابها ، ثم علمها الإسلام ، وأمرها بالصلاة ، واستبرأها بحيضة ، ثم أصابها" . (كتاب الاستذكار لابن عبد البر). كذلك فإن الأئمة الأربعة لا يجيزون نكاح الأمة الوثنية أو الأمة المجوسية. فقد جاء فى كتاب الفتاوى الكبرى للإمام أحمد بن تيمية رحمه الله ما نصه "أن نكاح المجوسيات لا يجوز كما لا يجوز نكاح الوثنيات وهذا مذهب الأئمة الأربعة وذكره الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة في ذبائحهم ونسائهم وجعل الخلاف في ذلك من جنس خلاف أهل البدع" الفتاوى الكبرى/كتاب النكاح- 38-463. 
2.   يتعين على صاحب ملك اليمين أن يستبرأها بحيضة أو ينتظر حتى تضع حملها وذلك  لقوله عليه الصلاة والسلام في سبايا أوطاس "لا توطأ الحبالى حتى يضعن حملهن ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة" والحيالى هى جمع حائل والحائل هى من لا حمل لها . (أخرجه أبو داود والحاكم وقال حسن صحيح وهو عام)

3. ينبغى ألا يكون قد سبق وطء السبية من أحد من أصول مالكها أو فروعه حتى يمكنه وطؤها أى أنه لم يسبق وطؤها من أبيه أو جده أو ابنه أو حفيده، كما يتعين ألا تكون هذه السبية من المحرمين عليه بالنسب كالأم والخالة والعمة وأم الزوجة إلى غير ذلك من الأصناف المحرمة بنصوص القرآن والسنة وكذا الأم والأخوات من الرضاعة، حيث يمكن أن يكون أى من هذه الأصناف لا تزال على دين غير دين الإسلام ووقعت فى أسر المسلمين ثم وقعت فى سهم المالك عند توزيع الأنفال. ففى هذه الحالة تصبح المرأة حرة ولا تصبح ملك يمين. فقد جاء فى كتاب العتق فى المستدرك على الصحيحين ما نصه حدثنا أبو علي الحسن بن علي الحافظ ، حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ، وعبد الله بن محمد بن سالم ، قالا : حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : " من ملك ذا رحم محرم فهو حر"      

    جدير بالذكر إن المرأة إذا كانت متزوجة من زوج محارب غير مسلم قبل أن تصبح ملك يمين، فإن نكاحها من ذلك الزوج ينفسخ بعد أن صارت ملك يمين مصداقًا لقوله تعالى  فى الآيتين 23 و24 من سورة النساء التى تعدد أصناف النساء التى تحرم على المسلم "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما ،والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما" .فكل محصنة هى فى الأصل محرم نكاحها إلا من أصبحت ملك يمين بنص الآية الكريمة. وعلى ذلك، ينفسخ نكاح المرأة غير المسلمة من زوجها المحارب غير المسلم عندما تصبح ملك يمين. وتصبح علة الفسخ مزدوجة إذا أسلمت المرأة وذلك لوجوب مفارقة المرأة المسلمة لزوجها غير المسلم.
   
    وتشير فصول السيرة النبوية إلى أن فرصة وقوع النساء فى الأسر ومن ثم يصبحن ملك يمين كانت تتلازم مع تواجد النساء فى محيط ميادين القتال. وبصفة عامة فإن من تجنب مواطن القتال كان يأمن على نفسه وذويه. ولعل أشهر المواقف التى تدل على ذلك هو ما تعهد به النبى صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة حين قال " من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن".

 ومن خلال ما سبق  يتضح أن من أصرت مثلًا على عدم ترك ملة الكفر فلا يجوز وطأها. كذلك من أسلمت ولم ترغب فى أن يعاشرها وليها، فليس من هديه صلى الله عليه وسلم إجبارها على الوطأ. وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما استعاذت منه إحدى النساء، لم يجبرها على المعاشرة. فقد جاء فى كتاب الطلاق فى صحيح البخارى ما نصه "حدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ قَالَ سَأَلْتُ الزُّهْرِىَّ أَىُّ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ . فَقَالَ لَهَا « لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ ، الْحَقِى بِأَهْلِكِ » . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهُ حَجَّاجُ بْنُ أَبِى مَنِيعٍ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الزُّهْرِىِّ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ."   كذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد أوصى المسلم بملك يمينه خيرا والإحسان إليهم. قال الله سبحانه وتعالى في الآية 36 من سورة النساء "وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً". كذلك فقد أوصى النبى صلى الله عليه وسلم بالإحسان لملك اليمين. فقد جاء في  سنن ابن ماجه عن أم سلمة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: "الصلاة وما ملكت أيمانكم"، فما زال يقولها حتى يفيض بها لسانه. ) وصححه الألباني.  وعلى ذلك يتبين أنه ليس من هدى الإسلام إجبار المرأة على معاشرة وليها بحق ملك اليمين لأنه يتنافى مع وصايا القرآن ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم. كما أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن تحميل الرقيق ما لا يطيقون من العمل. فإذا كان هذا هو الحال مع العمل البدنى، فكيف يكون الحال مع المعاشرة التى تتطلب سكينة النفس واطمئنان البدن في آن واحد؟ فالنهى يشمل كل ما يفوق طاقة الإنسان. وبالطبع المعاشرة دون الرغبة تفوق طاقة المرأة، لذلك فإنه ليس من هديه صلى الله عليه وسلم إجبارها على هذا الفعل.
والإسلام بوجه عام قد أنزل ملك اليمين منزلة إخوة المالك بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في كتاب الإيمان في صحيح مسلم ما نصه "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد قال مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله فقلنا يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة فقال إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية قلت يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه قال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم" ومن ذلك تبين أنه يتعين على ولى ملك اليمين ألا يؤذيهم بالكلمة ولا يحط من شأنهم وأن يعاملهم كأخوة له وأن يطعمهم من نفس طعامه ويلبسهم من نفس مستوى ملابسه ولا يكلفهم أعمال فوق طاقتهم، وإن كلفهم وجب عليه أن يعينهم على ذلك أو يوفر لهم ما يعينهم.ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل إن النبى صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يسمى الإنسان مملوكه أو مملوكته عبدًا أو أمة. فعن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقل أحدكم : عبدي أو أمتي ، كلكم عباد الله ، ونساؤكم إماء الله ، ولكن ليقل : غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي ". صحيح مسلم،حديث 4273. وقد جعل النبى صلى الله عليه وسلم كفارة الإيذاء البدنى للمملوك أو المملوكة دون وجه حق هى العتق. فقد روى الإمام مسلم فى صحيحه بسند صحيح أن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قال " من ضرب غلامًا له حدًا  لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه".

وبعد ذلك كله، فللمملوك أو المملوكة إذا رغب في العتق أن يكاتب مالكه. والمكاتبة هى أن يتفق المملوك مع مالكه أن يعمل ليكتسب المال ويؤدى ذلك المال إلى ذلك المالك حتى يستوفى المالك مبلغ معين ثم يصبح المملوك حر بعد ذلك مصداقًا لما جاء في سورة النور " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم". والمقصود من قوله تعالى "إن علمتم فيهم خيرًا" هو إن تبين لكم أنهم سيوفون بعهدهم وسيعملون ويؤدون إليكم المال الذى اتفقتم عليه وأنهم لن يخونوا العهد ويهربون دون أن يؤدوا ما عليهم. كما أمر الله سبحانه وتعالى المالك بأن يعاون المملوك بأن يتنازل عن بعض المال المستحق على المملوك ويخفف عنه حتى يتمكن من نيل حريته مصداقًا لقوله " وآتوهم من مال الله الذى آتاكم". وللمملوك أن يطلب المعونة من بيت مال المسلمين لأن تحرير الرقاب من جملة مصارف الزكاة كما جاء في الآية 26 من سورة التوبة "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ".  فجعل الله سبحانه وتعالى تحرير الرقاب والمعاونة في تحريرها أحد المصارف التى تصرف فيها أموال الزكاة. لذلك فإن من أراد العتق يمكنه الاستعانة بالمال من بيت مال المسلمين لينال حريته. فضلًا عن كل ما سبق، فقد جعل الله سبحانه وتعالى تحرير الرقبة كفارة لكثير من الخطايا التى يقع فيها المسلم كما جعله وسيلة من أعظم وسائل التقرب إلى الله سبحانه وتعالى كما في قوله سبحانه وتعالى في سورة البلد " فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة ، فك رقبة". 

وبذلك يتبين أن الإسلام جاء ليحرر الناس ولم يأتى ليستعبدهم، وإنما كان الرق نتيجة مباشرة لكفر بعض الناس وإصرارهم على محاربة أهل الإسلام. فأباح الله سبحانه وتعالى للمسلمين أن يعفوا عن أسراهم من غير المسلمين أو أن يقبلوا منهم الفداء بالمال أو يتخذوا منهم الرقيق. وفى تلك الحالة الأخيرة، وضع الإسلام شروط واضحة تضمن المعاملة الكريمة والإنسانية لهؤلاء الأرقاء تشمل طعام مثل طعام وليهم وملابس مثل ملابسه وعدم تكليفهم أو إرغامهم على ما لا يطيقون من الأعمال. ثم إن الإسلام شرع بعد ذلك المكاتبة لمن أراد العتق من الرقيق وحث عليها وجعل تحرير الرقاب أحد مصارف الزكاة المفروضة.