الثلاثاء، 10 يونيو 2014

لماذا كان الشر من المخلوق وليس الخالق



الشر هو أحد طرفى المعادلة الحتمية المتولدة عن الإرادة الحرة فى الاختيار التى جبل الله سبحانه وتعالى عليها المخلوقات المخاطبة بالتكليف. والشر فى أصله ليس ظرفًا ابتدائيًا أصيلًا، لكنه ينشأ كمحصلة لانحراف أفعال المخلوق المكلف عن الوجهة الإلهية. وقد اتفقت الأديان السماوية من ناحية وكثير من الأديان الوضعية وكذا العديد من الفلسفات والرؤى الأدبية على ربط الشر بشخص الشيطان الذى يجسد المنبع الأزلى للشر. والشيطان أو إبليس بحسب القرآن الكريم هو مخلوق كان يأتمر بنفس الأوامر التى تأتمر بها الملائكة الذين يأتون فى أعلى مراتب الخلق من حيث الخيرية. وإنما نال إبليس هذه المكانة التى أدخلته فى عموم الملائكة المخاطبين بأمر الله سبحانه وتعالى لما كان عليه إبليس من التزام للوجهة الإلهية. فلما حاد إبليس عن الأمر الإلهى مختارًا لمتابعة هوى نفسه فى إنفاذ رذيلة الكبر التى صورت له أفضلية زائفة على آدم بفعل قياس مغلوط، كان جزاؤه أن يهبط من تلك المنزلة لأنه شطن عن الحق فأصبح شيطانًا. وتوالت الأحداث وأصبحت الرذيلة الواحدة رذائل. وأصبح الحسد قرين الكبر عند إبليس. فكان الشر. ثم إن الله سبحانه وتعالى أمر آدم وزوجه بالحذر من إبليس المخلوق الذى لوثه الشر. وسكن آدم الجنة بأمر ربه سكنًا رغدًا لا يجوع فيها ولا يعرى ولا يظمأ فيها ولا يضحى.  وكان التكليف حينئذ منحصر فى عدم الاقتراب من شجرة ما. وبغض النظر عن طبيعة الشجرة وكونها شجرة المعرفة أو غيرها من الأشجار المعروفة، فقد كان المحك هو الالتزام بالامتناع لأن المخالفة حتمًا ستؤدى لتولد واقع جديد بمعطيات جديدة تتضمن الشر الذى لم يكن موجودًا ابتداءً.  وكانت التجربة الأولى حين خاطب الشيطان حب التملك والطمع داخل الإنسان ليجعله يترك ما بين يديه ويلهث وراء خلود لم تكن به إليه حاجة  فى ظل ما ينعم به من خير. ومجددًا كانت المخالفة هى السبيل إلى الشر. وكان الطمع فيما سيكون سببًا مباشرًا فى زوال ما هو كائن من نعيم مقيم. ثم إن الإنسان قد هبط إلى الأرض مع تحذير صريح من أن الشيطان عدو ولا يصلح معه إلا اتخاذه عدوا، وأن سبيل المواجهة والنجاة يتمثل فى التزام الهدى الإلهى لأن الأصل فى خروج الشر إلى سياق الوجود هو الانحراف عن الوجهة الإلهية. ثم إن الإنسان أبى إلا أن يجمع بين خطيئة الشيطان فى الحسد وخطيئة أبيه آدم فى الطمع. فطمع الأخ فى حظ أخيه. وحسد الأخ أخاه. وانجرف الإنسان فى تيار الغى حتى أخرج الشر إلى سياق الوجود من جديد بانحرافه عن الوجهة الإلهية واقترافه لأم الخطايا والرذائل. وقتل الإنسان النفس التى حرم الله قتلها إلا بالحق. وهكذا فإن الشر يكون دائمًا وأبدًا المحصلة الحتمية الناتجة عن قيام المخلوق المكلف بالانحراف مختارًا عن الوجهة الإلهية.
وكان المخلوق المكلف فى بداية أمره يحيا فى أعلى المراتب وأرفعها. فهذا إبليس يحيا فى مصاف الملائكة المكرمين. فأبت نفسه إلا أن تعصى بفعل الهوى المدفوع بالكبر والحسد، فكانت النتيجة الطرد والهبوط لمنزلة الشياطين. فلما صاحب ذلك إصرار وعناد وعدم رجوع عن الغى عن طريق التوبة، صارت اللعنة لعنةً أبدية لا فكاك منها أبد الدهر. أما آدم فقد جاءه العهد من ربه يسكنه جنة لا جوع فيها ولا ظمأ ولا عرى ولا منغصات طالما التزم بأمر ربه فى عدم الاقتراب مما حرم عليه. فكانت إطاعة الهوى ومخالفة الوجهة الإلهية سببا فى تبدل السياق، وخروج الإنسان من عالم السمو إلى عالم سفلى تحكمه الأسباب والسنن التى لا تستقيم موازين الحياة إلا بها. وتاب آدم وهبط إلى الحياة الدنيا. فكانت حياة الإنسان التى يكدح فيها كدحًا حتى يلقى ربه سبحانه وتعالى. وهى حياة قوامها التوازن والعلة والفعل والنتيجة. فكل شيء فيها مخلوق بقدر. تموت أجيال لتحيا أخرى. فلو لم يكن الموت، لظلت الثروات ومقاليد الأمور بأيدى أجيال بعينها، ولضاقت الدنيا بساكنيها. فكانت سنة الاستخلاف والاستبدال التى مكنت كل جيل من البشر أن يأخذ حظه من الحياة على الأرض ويرثها من سلفه، فيعمرها ويسير فيها بسيرته قبل أن يورثها لخلفه. وكان المرض. فلو لم يكن المرض لما سعى الإنسان ليتعلم ويكشف كنه الحياة ولما كان هناك طب وعلوم حياة وكيمياء. ولولا المرض لما كانت التجارب الإنسانية الثرية التى نحتتها معاول الألم والوجد والشوق واليتم والترمل والثكل. تلك التجارب التى وهبت للبشرية شعرائها وفلاسفتها وأدبائها. ولولا المرض لما استشعرت النفس البشرية وحشتها فى هذه الحياة القصيرة، ولظنت أن هذا هو المآل، ولما تاقت إلى حياة السمو الأبدى التى فارقتها فراقًا مؤقتًا ولما استأنست لضعفها بالمدد من ربها.
ولو لم تكن الزلازل والبراكين، لما كان الإنسان قد استطاع إلى كنوز الأرض وخيراتها سبيلًا. وما كان قد انتفع بذهب ولا فضة ولا ماس ولا فحم ولا نفط.
وهكذا هى سنن الله فى حياتنا الدنيا. نحيا فيها فى كبد. فمن صبر والتزم الوجهة الإلهية وغادر تلك الحياة وهو على تلك الحال، كان مآله إلى حياة السمو الأبدية التى خرج منها الإنسان فى حال المبتدأ بفعل خطيئته وانحرافه عن أمر الله. أما من اتخذ الكبر ديدنًا والعناد منهجًا، فقد ألحق نفسه بعالم الأسفلين الذى هبط إليه إبليس وكل من تابعه من الشياطين.  

الجمعة، 16 مايو 2014

مسألة الرق فى الإسلام


الأصل فى الإنسان أن الله سبحانه وتعالى قد خلقه حرًا. فلا يجوز لأحد أن يبيع أحد فى المطلق أو يسلبه حريته. فقد جاء فى كتاب البيوع فى صحيح البخارى ما نصه "حدثني بشر بن مرحوم حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره" حديث 2114. ولقد جاء الإسلام والرق منتشر فى ربوع الأرض ولم يكن أحد يومئذ سواء من أتباع الرسالات السماوية السابقة أو من الوثنيين يكاد يعلم للرقيق حقًا أو يتعامل معهم بوصفهم بشر. فعمد الإسلام إلى إلغاء كافة الطرق التى يمكن أن يسلب الإنسان من خلالها حريته سواء بطريق السطو أو الخطف أو إغارة قبيلة قوية على أخرى ضعيفة أو بيع الإنسان لأولاده لدفع الفقر المدقع أو بيع الإنسان لنفسه وفاءً لدين إلى غير ذلك من الصور، ولم يبقى الإسلام إلا على ثلاثة مصادر من مصادر الرق؛ أحدهم أساسى والمصدريْن الآخريْن تابعيْن له. المصدر الأول هو من خلال الحرب بين جيوش المسلمين والكفار بهدف الدفاع عن الدين ضد عدوان الكافرين. والمصدر الثان هو أن يولد الإنسان لأم من الرقيق (أمة) ولا يكون أبوه هو مالك تلك الأمة. فلو كان أبوه هو مالك الأمة صارت تلك الأمة أم ولد ولا يحل بيعها ولا أن تصبح ميراث ويصبح ولدها وريثًا لذلك السيد مثله مثل أولاده من زوجاته الأخريات. والمصدر الثالث هو أن يرث الإنسان ملك اليمين بالميراث الشرعى أو يشتريه من مالكه أو أن يهبه له المالك.

وقد شرع القتال فى الإسلام مصداقًا لقوله تعالى " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين". الأية 190 سورة البقرة. فجعل الله سبحانه وتعالى الغرض من القتال هو الدفاع عن الدين والنفس، وأمر المسلمين بألا يعتدوا بأن يكونوا هم البادئين بالقتال، وإنما يكون القتال ضد من يعتدى أو يحرض ويدبر المكائد التى تهدف إلى القضاء على دولة المسلمين. ويكون الأمر على التخيير. فيقوم قائد جيش المسلمين بعرض الإسلام على المعتدين  ثم يعرض عليهم الجزية إذا كانوا من أهل الكتاب أو المجوس وذلك فى حالة رفض الإسلام، ثم لا يبقى إلا القتال فى حالة رفض الخيارين السابقين. ومن جملة الأمور التى عدها العلماء اعتداء لا يجوز للمحارب المسلم الوقوع فيه هو قتل غير المقاتلين من الشيوخ والنساء والأطفال. فقد جاء فى نفس المرجع السابق (صحيح البخارى- كتاب البيوع- شرح حديث 2114) ما نصه "أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو بكر بن سهل القهستاني المعروف بأبي تراب أخبرنا محمد بن عيسى الطرسوسي أخبرنا يحيى بن بكير أخبرنا الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن شعبة عن علقمة بن يزيد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال اغزوا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا ولا شيخا كبيرا". 
وعند الحرب وقتال المعتدين، يتعين على المقاتل المسلم الثبات فى وجه العدو وقتاله قتال لا هوادة فيه لأنه بعد رفض العدو لكل الخيارات السلمية فليس هناك مفر من الوقوف فى وجهه وكسر شوكته دفاعًا عن كيان المسلمين. يقول الله سبحانه وتعالى فى سورة محمد "الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)".  ومن الآيات السابقة يتضح أنه:
1.    عند بدء القتال مع الكفار يتعين قتالهم قتال لا هوادة فيه.
2.    الكفار كرهوا ما أنزل الله من الحق وأصروا على اتباع الباطل فأحبط أعمالهم.
3.    من ينال الشهادة من المسلمين فإن الله يجزيه الجنة.
4.    عند انكسار الكفار أمام المسلمين يكون الأمر بالخيار أمام ولى الأمر. فإما يعفو عن الأسرى أو أن يطالبهم بالفداء وفقًا لمصلحة جيش المسلمين وليس وفقًا لهواه.
5.    الفداء إما أن يكون بالمال أو أن يكون بتجنب القتل عن طريق الرق وهو المصدر الأساسى لملك اليمين فى الإسلام. وتتمثل مصلحة المسلمين فى استرقاق أسراهم حين يعجز هؤلاء الأسرى عن دفع المال ويكون إطلاقهم بالعفو عنهم فيه تقوية لشوكة العدو لأنهم سيعودون ويقاتلون فى صفوفه مرة أخرى، وكذا ينطبق الأمر على النساء ممن يكونون فى صفوف جيش العدو ويؤدون مهام لوجستية وطبية تتعلق بتجهيز المؤن والطعام والشراب ومعالجة المصابين. ومن ثم، يكون الحل الأمثل فى تلك الحالة هو أخذهم رقيقًا لحقن دمائهم. والأمر كما سبق توضيحه يقع على عاتق ولى الأمر، فله أن يعفو أو يقبل الفدية المالية أو أن يدفع كل الأسرى لمن أسروهم فيصبحوا رقيقًا وملك يمين لهم. جدير بالذكر أن ذلك لا يحدث حتى يتم إخراج فريضة الخمس من الغنائم إلى الأصناف التى حددها الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك يتم توزيع  الأربعة أخماس من الأنفال (الغنائم) على المحاربين.
ومما سبق يتضح الكيفية الوحيدة التى يمكن أن يقع بها الإنسان فى الرق فى ظل الإسلام. فالإنسان فى حال المبتدأ حر ليس بعبد إلا لله سبحانه وتعالى. فإذا أبى الإنسان أن يكون عبدًا لله سبحانه وتعالى وكفر به وقام بمحاربة عباده المؤمنين ، أوكله الله سبحانه وتعالى إلى قوته البشرية التى قد لا تنفعه وتجعله يقع فى الأسر فيصبح عبدًا لعبد مثله لأنه رفض أن يكون عبدًا لله سبحانه وتعالى من الأساس.
ومما شاع فى زماننا من الافتراءات أن المسلم له أن يعاشر كل أسيرة وقعت فى أسر المسلمين دون قيد أو شرط حتى أن الأمر قد وصل بالبعض ليصور للناس أن الجنود المسلمين كانوا يقيمون حفلات جماعية من الاعتداء الجنسى على النساء وهتك أعراضهن. وحقيقة الأمر أن ذلك يتنافى جملة وتفصيلًا مع ما جاء به الشرع الإسلامى وما هو ثابت فى سيرة النبى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام. ويتعين عند الحديث عن العلاقات الجنسية السوية فى حياة المسلم أو النكاح الشرعى أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد حدد للمسلم عددًا محددًا من الزوجات لا يجوز له أن يتعداه وهو أربع زوجات وعدد غير محدد من ملك اليمين. وحتى لا يتوهم واهم أن الأمر فيه سعة وفيه إطلاق لشهوات الرجل المسلم بحيث ينكح ما طاب له من النساء تحت مسمى ملك اليمين، فعلينا أن ننظر فى شروط الشرع التى حددها حتى يمكن للرجل أن يستحل علاقته بالمرأة بحكم ملك اليمين ليتبين لكل ذى عقل أن هذه الشروط من الصعوبة بحيث تجعل أمر ملك اليمين لن يتأتى إلا فى حدود ضيقة.
يقول الله سبحانه وتعالى فى سورة النساء الآية 3 " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا". فجعل الله سبحانه وتعالى النكاح على صورتين. الصورة الأولى هى الصورة التى ينكح فيها الرجل المرأة بعقد وصداق وموافقة ولى وهو الزواج. وحدد الله سبحانه وتعالى للرجل أربع زوجات من خلال هذا الباب لا يجوز له أن يتعداهن. والصورة الثانية من خلال ملك اليمين الشرعى. والدليل على ذلك قوله "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم". فجعل الله سبحانه وتعالى الواحدة التى هى ضمن الأربع صنف وملك اليمين صنف آخر، مما يدل على أن ملك اليمين لا تعد ضمن الزوجات، ومن ثم فلا صداق لها ولا عقد ولا موافقة ولى. ويتأكد نفس المعنى من خلال قوله تعالى في سورة المؤمنون الآيتين 5-6 "وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ". فنجد أن الله سبحانه وتعالى قد فرق بين نوعين "أزواجهم" أو "ما ملكت أيمانهم". فلو كانت ملك اليمين زوجة لما كان الله سبحان وتعالى أخرجها من عداد الزوجات باستخدام حرف العطف "أو" الذى يفيد التنوع. أى أن صنف الزوجات غير صنف ملك اليمين، ولكل أحكامه كما جاء في السنة النبوية الشريفة.
وللرجل أن يتخذ ملك اليمين لأغراض عدة منها التملك والخدمة و التسرى وهو الوطء أى المعاشرة. فمتى وطء الرجل ملك اليمين أصبحت سرية. وحتى يجوز للرجل أن يتسرى بملك اليمين فيشترط ما يلى :
1.    أن تسلم المرأة أو أن تكون من أهل الكتاب وذلك لعموم قوله تعالى " وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " [البقرة :221]. وقد يقول قائل إن الآية تعنى النكاح بعقد أى الزواج وليس ملك اليمين. والصواب أن الأمر فى عموم نكاح المشركات سواء بالعقد أو بملك اليمين لجملة الأدلة الواردة فى سنة النبى صلى الله عليه وسلم. فلم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من صحابته قد تسرى بوثنية أو مجوسية. وإنما الثابت أن النبى صلى الله عليه وسلم قد تسرى بمارية القبطية التى أهداها له المقوقس عظيم القبط وكذلك بريحانة بنت شمعون وهى نصرانية. كما جاء عن الحسن البصرى وهو من أئمة التابعين قوله "  كنا نغزو مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا أصاب الجارية أحدهم من الفيء فأراد أن يصيبها أمرها فغسلت ثيابها ، ثم علمها الإسلام ، وأمرها بالصلاة ، واستبرأها بحيضة ، ثم أصابها" . (كتاب الاستذكار لابن عبد البر). كذلك فإن الأئمة الأربعة لا يجيزون نكاح الأمة الوثنية أو الأمة المجوسية. فقد جاء فى كتاب الفتاوى الكبرى للإمام أحمد بن تيمية رحمه الله ما نصه "أن نكاح المجوسيات لا يجوز كما لا يجوز نكاح الوثنيات وهذا مذهب الأئمة الأربعة وذكره الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة في ذبائحهم ونسائهم وجعل الخلاف في ذلك من جنس خلاف أهل البدع" الفتاوى الكبرى/كتاب النكاح- 38-463. 
2.   يتعين على صاحب ملك اليمين أن يستبرأها بحيضة أو ينتظر حتى تضع حملها وذلك  لقوله عليه الصلاة والسلام في سبايا أوطاس "لا توطأ الحبالى حتى يضعن حملهن ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة" والحيالى هى جمع حائل والحائل هى من لا حمل لها . (أخرجه أبو داود والحاكم وقال حسن صحيح وهو عام)

3. ينبغى ألا يكون قد سبق وطء السبية من أحد من أصول مالكها أو فروعه حتى يمكنه وطؤها أى أنه لم يسبق وطؤها من أبيه أو جده أو ابنه أو حفيده، كما يتعين ألا تكون هذه السبية من المحرمين عليه بالنسب كالأم والخالة والعمة وأم الزوجة إلى غير ذلك من الأصناف المحرمة بنصوص القرآن والسنة وكذا الأم والأخوات من الرضاعة، حيث يمكن أن يكون أى من هذه الأصناف لا تزال على دين غير دين الإسلام ووقعت فى أسر المسلمين ثم وقعت فى سهم المالك عند توزيع الأنفال. ففى هذه الحالة تصبح المرأة حرة ولا تصبح ملك يمين. فقد جاء فى كتاب العتق فى المستدرك على الصحيحين ما نصه حدثنا أبو علي الحسن بن علي الحافظ ، حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة ، وعبد الله بن محمد بن سالم ، قالا : حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : " من ملك ذا رحم محرم فهو حر"      

    جدير بالذكر إن المرأة إذا كانت متزوجة من زوج محارب غير مسلم قبل أن تصبح ملك يمين، فإن نكاحها من ذلك الزوج ينفسخ بعد أن صارت ملك يمين مصداقًا لقوله تعالى  فى الآيتين 23 و24 من سورة النساء التى تعدد أصناف النساء التى تحرم على المسلم "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما ،والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما" .فكل محصنة هى فى الأصل محرم نكاحها إلا من أصبحت ملك يمين بنص الآية الكريمة. وعلى ذلك، ينفسخ نكاح المرأة غير المسلمة من زوجها المحارب غير المسلم عندما تصبح ملك يمين. وتصبح علة الفسخ مزدوجة إذا أسلمت المرأة وذلك لوجوب مفارقة المرأة المسلمة لزوجها غير المسلم.
   
    وتشير فصول السيرة النبوية إلى أن فرصة وقوع النساء فى الأسر ومن ثم يصبحن ملك يمين كانت تتلازم مع تواجد النساء فى محيط ميادين القتال. وبصفة عامة فإن من تجنب مواطن القتال كان يأمن على نفسه وذويه. ولعل أشهر المواقف التى تدل على ذلك هو ما تعهد به النبى صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة حين قال " من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن".

 ومن خلال ما سبق  يتضح أن من أصرت مثلًا على عدم ترك ملة الكفر فلا يجوز وطأها. كذلك من أسلمت ولم ترغب فى أن يعاشرها وليها، فليس من هديه صلى الله عليه وسلم إجبارها على الوطأ. وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما استعاذت منه إحدى النساء، لم يجبرها على المعاشرة. فقد جاء فى كتاب الطلاق فى صحيح البخارى ما نصه "حدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ قَالَ سَأَلْتُ الزُّهْرِىَّ أَىُّ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ . فَقَالَ لَهَا « لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ ، الْحَقِى بِأَهْلِكِ » . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهُ حَجَّاجُ بْنُ أَبِى مَنِيعٍ عَنْ جَدِّهِ عَنِ الزُّهْرِىِّ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ."   كذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد أوصى المسلم بملك يمينه خيرا والإحسان إليهم. قال الله سبحانه وتعالى في الآية 36 من سورة النساء "وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً". كذلك فقد أوصى النبى صلى الله عليه وسلم بالإحسان لملك اليمين. فقد جاء في  سنن ابن ماجه عن أم سلمة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: "الصلاة وما ملكت أيمانكم"، فما زال يقولها حتى يفيض بها لسانه. ) وصححه الألباني.  وعلى ذلك يتبين أنه ليس من هدى الإسلام إجبار المرأة على معاشرة وليها بحق ملك اليمين لأنه يتنافى مع وصايا القرآن ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم. كما أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن تحميل الرقيق ما لا يطيقون من العمل. فإذا كان هذا هو الحال مع العمل البدنى، فكيف يكون الحال مع المعاشرة التى تتطلب سكينة النفس واطمئنان البدن في آن واحد؟ فالنهى يشمل كل ما يفوق طاقة الإنسان. وبالطبع المعاشرة دون الرغبة تفوق طاقة المرأة، لذلك فإنه ليس من هديه صلى الله عليه وسلم إجبارها على هذا الفعل.
والإسلام بوجه عام قد أنزل ملك اليمين منزلة إخوة المالك بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في كتاب الإيمان في صحيح مسلم ما نصه "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد قال مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله فقلنا يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة فقال إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية قلت يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه قال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم" ومن ذلك تبين أنه يتعين على ولى ملك اليمين ألا يؤذيهم بالكلمة ولا يحط من شأنهم وأن يعاملهم كأخوة له وأن يطعمهم من نفس طعامه ويلبسهم من نفس مستوى ملابسه ولا يكلفهم أعمال فوق طاقتهم، وإن كلفهم وجب عليه أن يعينهم على ذلك أو يوفر لهم ما يعينهم.ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل إن النبى صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يسمى الإنسان مملوكه أو مملوكته عبدًا أو أمة. فعن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقل أحدكم : عبدي أو أمتي ، كلكم عباد الله ، ونساؤكم إماء الله ، ولكن ليقل : غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي ". صحيح مسلم،حديث 4273. وقد جعل النبى صلى الله عليه وسلم كفارة الإيذاء البدنى للمملوك أو المملوكة دون وجه حق هى العتق. فقد روى الإمام مسلم فى صحيحه بسند صحيح أن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قال " من ضرب غلامًا له حدًا  لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه".

وبعد ذلك كله، فللمملوك أو المملوكة إذا رغب في العتق أن يكاتب مالكه. والمكاتبة هى أن يتفق المملوك مع مالكه أن يعمل ليكتسب المال ويؤدى ذلك المال إلى ذلك المالك حتى يستوفى المالك مبلغ معين ثم يصبح المملوك حر بعد ذلك مصداقًا لما جاء في سورة النور " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم". والمقصود من قوله تعالى "إن علمتم فيهم خيرًا" هو إن تبين لكم أنهم سيوفون بعهدهم وسيعملون ويؤدون إليكم المال الذى اتفقتم عليه وأنهم لن يخونوا العهد ويهربون دون أن يؤدوا ما عليهم. كما أمر الله سبحانه وتعالى المالك بأن يعاون المملوك بأن يتنازل عن بعض المال المستحق على المملوك ويخفف عنه حتى يتمكن من نيل حريته مصداقًا لقوله " وآتوهم من مال الله الذى آتاكم". وللمملوك أن يطلب المعونة من بيت مال المسلمين لأن تحرير الرقاب من جملة مصارف الزكاة كما جاء في الآية 26 من سورة التوبة "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ".  فجعل الله سبحانه وتعالى تحرير الرقاب والمعاونة في تحريرها أحد المصارف التى تصرف فيها أموال الزكاة. لذلك فإن من أراد العتق يمكنه الاستعانة بالمال من بيت مال المسلمين لينال حريته. فضلًا عن كل ما سبق، فقد جعل الله سبحانه وتعالى تحرير الرقبة كفارة لكثير من الخطايا التى يقع فيها المسلم كما جعله وسيلة من أعظم وسائل التقرب إلى الله سبحانه وتعالى كما في قوله سبحانه وتعالى في سورة البلد " فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة ، فك رقبة". 

وبذلك يتبين أن الإسلام جاء ليحرر الناس ولم يأتى ليستعبدهم، وإنما كان الرق نتيجة مباشرة لكفر بعض الناس وإصرارهم على محاربة أهل الإسلام. فأباح الله سبحانه وتعالى للمسلمين أن يعفوا عن أسراهم من غير المسلمين أو أن يقبلوا منهم الفداء بالمال أو يتخذوا منهم الرقيق. وفى تلك الحالة الأخيرة، وضع الإسلام شروط واضحة تضمن المعاملة الكريمة والإنسانية لهؤلاء الأرقاء تشمل طعام مثل طعام وليهم وملابس مثل ملابسه وعدم تكليفهم أو إرغامهم على ما لا يطيقون من الأعمال. ثم إن الإسلام شرع بعد ذلك المكاتبة لمن أراد العتق من الرقيق وحث عليها وجعل تحرير الرقاب أحد مصارف الزكاة المفروضة.

الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

شبهات وردود



شبهات وردود
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل " وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". بين الفينة والفينة وفى عصر طغت فيه الماديات وانتشرت فيه الشبهات على نحو قد يجعل الحليم حيران،  نجد أنفسنا أمام دعاوى لا يمكننا الوقوف على صدق غايتها والمأرب من ورائها، إلا إننا فى الوقت نفسه نجد أنفسنا مدفوعين إلى قبولها وخوض غمار الحوار مع مطلقيها. وليس ذلك إلا لما يحمله المنطق المتحدى الذى تتبناه تلك الدعاوى من جاذبية خاصة للمتأملين ولمحبى إعمال العقل ولأولئك الراغبين في الوصول إلى الحق الأبلج الذى لا مراء فيه ، بيد أنه يتعين علينا فى البداية أن نتفق على أننا لسنا خصمين فى قضية يسعى كل طرف من أطرافها إلى دحض حجج الآخرين انتصارًا لوجهة نظره الشخصية، وإنما أرى أننا (أو على الأقل أعنى ذوى النوايا الصادقة) طلاب حقيقة نسعى سعيًا حثيثًا لتحصيلها. وفى خضم ذلك، نجد أن لكل منا منطلقاته ومنهجياته التى تحدد له الدرب الذى يتعين عليه أن يسلكه لتحقيق المقصد والغاية. وحتى لا أسترسل فى صياغة المقدمات، دعونى أعمد إلى الاعتماد على الأسئلة كأسلوب لطرح القضايا. ويمكن لنا أن نلخص فحوى تلك النقاشات التى يثيرها أصحاب تلك الدعاوى التى تتعلق بالعقيدة والإيمان والإسلام في عدد من الأسئلة على النحو التالى:
من هو الله؟
إذا كان لابد لكل شيء من خالق فمن خلق الله؟
لماذا خلق الله الخلائق وما الدليل على عدل الله؟
لماذا الإسلام هو الدين الحق وما هو موقف الإسلام من الرسالات السماوية الأخرى؟

والآن دعونا نبدأ بالسؤال الأول ونقول إن الله هو الإله الواحد الأحد  الذى لا إله غيره والذى خلق ما عداه من المخلوقات. فالله هو رب جميع الخلائق والأكوان. وبعد هذه العبارة المقتضبة التى لا أظن أننى قد أتيت فيها بجديد أكاد أسمع الأصوات ترتفع محتجة ومطالبة بالأدلة القاطعة. وحتى لا أطيل عليكم فى مهاترات لا طائل من ورائها، أقول لكم إن حكمة الله وإرادته شاءت ألا يكون هناك دليل قطعى ملموس لا يمكن دحضه يبرهن لكل ذى عقل وتكليف على وجوده سبحانه وتعالى. وهذا هو مغزى قضية الإيمان. فالإيمان يقتضى أن تؤمن بغيب. فالفرد مثلًا لا يمكن أن يدعى أنه يؤمن  بوجود الشمس لأنه ليس هناك من يمكن أن يقول إنها غير موجودة. فالشمس حقيقة مشاهدة لكل من يحيا على سطح الأرض. وعلى ذلك، نجد أن الإيمان يقتضى أن يكون ما تؤمن به هو من باب الغيبيات التى لا تستطيع أن تدركها بالحواس، وإنما يمكنك أن تهتدى إليها بالفطرة السليمة والإدراك القويم. وقد يقول قائل " ولماذا لا يكون الأمر كله محض عبث ومصادفة؟" والرد على ذلك يمكن أن يتضح مما يلى. فصحيح أن الإيمان بالخالق أمر غيب لا يقوم عليه دليل مادى ملموس يمكن إخضاعه للحواس والقياس، إلا أن نظرية العبث والمصادفة لا تستقيم مع الواقع المشاهد من حولنا. فالكون على اختلاف ظواهره تحكمه قوانين لا تتبدل ولا تتغير. وطبيعة أجسامنا منذ أن شرع العلم الحديث فى سبر أغوارها تعمل وفقًا لقواعد ونظم لا تتبدل ولا تتغير. ومن خلال اكتشاف تلك القواعد والقوانين المنظمة للكون والحياة البشرية، استطاع العلماء تأسيس العلوم المختلفة مثل الطب والفيزياء والكيمياء والأحياء والفلك إلى غير ذلك من العلوم. ولو أن نظرية العبث والمصادفة كانت تستقيم مع الواقع، لوجدنا أن هناك خلايا بشرية لا تنطبق عليها قوانين الطب مثلًا، أو أن هناك نوع من الماء يتحدى قوانين الفيزياء ولا يتجمد عند درجة صفر. والأمثلة فى ذلك كثيرة. إذن فوحدة الخلق تدل على وحدانية الخالق. والنقطة الثانية التى تقطع بوجود خالق لهذه الحياة هو فناء الحياة نفسها. فلو أن الحياة هى هبة نفسها أو أنها وليدة مصادفة عبثية لم يحركها محرك، فلماذا تنتهى بالموت أو بالفناء؟ لماذا لا تستمر إلى مالا نهاية طالما أنها تملك سر نشأتها بين طياتها؟ ولماذا لم يعمل قانون المصادفة أو العبثية على أن يبعث لنا أى من هؤلاء الذين ماتوا منذ ملايين السنين ولو مرة واحدة على الأقل طوال تلك المدة بنفس الأسلوب الذى أوجدهم به من العدم كما يزعم أصحاب تلك النظرية؟ والحاصل أننا لو سلكنا طريق الأدلة المادية فى التفكير، لوجدنا أن الواقع المشاهد من حولنا يدفعنا دفعًا إلى الإيمان بوجود قدرة عليا ومشيئة واعية تخلق وتصرف شؤون المخلوقات فى تلك العوالم التى يضمها ذلك الكون.
ننتقل الآن إلى السؤال الثانى وهو إذا كان هذا المنطق والمنهج فى التفكير يقتضى أن يكون هناك موجد لكل موجود، فمن ذا الذى أوجد الله؟ والرد على ذلك يمكن أن يكون يسيرًا إذا ما تأملنا فى الكون من حولنا. فنحن نعلم أن لكل جنس من الأجناس قانون ينظم حياته ويحكم طبيعته. ولنضرب لذلك مثلًا، لو تخيلنا أن صناعة الحاسب والعقول الإليكترونية تقدمت بحيث أصبحت قادرة على أن تنتج لنا أجهزة يمكنها أن تدير حوار وأن تنخرط فى جدال ونقاش. وبفرض أن هذه العقول أثارت فيما بينها قضية تتعلق بإمكانية وجود كائنات ذاتية التفكير لا تعتمد فى ذلك على البرمجيات ، فهل تعتقدون أن تلك الأجهزة ستستسيغ فكرة أن الإنسان الذى صنعها يمكنه التفكير دون الاعتماد على أى صنف من البرمجيات وأن عقله يعمل من تلقاء نفسه؟ وبالقياس على ذلك المثل البسيط يمكننا أن ندرك أن الله سبحانه وتعالى هو من أوجد الوجود وهو من خلق الخلق، وأن الإيجاد والخلق هما من القوانين التى يخضع لها المخلوقين وليس الخالق، وإلا فكيف استحق سبحانه وتعالى أن يكون إله؟ لذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى قد نعت نفسه فى القرآن بأنه البارئ. والبارئ فى اللغة هو من يبرأ أى من يوجد، لأنه سبحانه موجود بذاته فلا يستقيم فى حقه أن نخضعه لمكان ولا زمان ولا للمتوالية المتسلسلة التى تقوم على من أوجد من. لأن كل ذلك فى الأساس من خلقه، فالزمان مخلوق والمكان مخلوق والموجودات مخلوقة. وهو سبحانه وتعالى متفرد بالوجود فهو أزلى بلا بداية وأبدى بلا نهاية وهو حى لا يموت. والمشكلة أن حدود العقل عندنا لا يمكنها أن تدرك فى ذلك الصدد أكثر من ذلك. وهذا أيضًا من عدل الله، حيث أن الإيمان بذلك يدخل فى دائرة الغيبيات. فإننا وإن كنا لا نستطيع الوقوف على ماهية ذاته سبحانه وتعالى فنحن مكلفين بالإيمان به وبقدرته دون تشبيه أو تكييف أو تعطيل لأى صفة من صفاته.
 نأتى الآن للسؤال الثالث الذى يتعلق بالحكمة التى خلق الله من أجلها الخلائق والدليل على عدل الله مع خلقه. وفى البدء، يتعين علينا أن نوقن بأننا طالما علمنا أن لهذا الكون إله يخلق ما يشاء ويختار، فليس ثمة حق لنا فى أن نطالبه بتبرير لحكمته، إلا أننا سنعمد إلى محاولة استبيان تلك الحكمة من باب التفكر فى آيات الله سبحانه وتعالى. إن الله سبحانه وتعالى قد وصف نفسه فى القرآن الكريم بأنه الرحمن الرحيم وبأنه الملك القدوس. ومن ثم، فقد اقتضت حكمته أن يكون لهذا الإله الملك خلق ليسبغ عليهم فضله ونعمه ويجزل لهم العطاء. وعلى ذلك، كان يجب أن يكون هناك معيار يتم على أساسه تحديد هؤلاء الذين يستحقون أن ينالوا فضل الله ورحمته. وقد كان ذلك المعيار هو عبادة الله سبحانه وتعالى عن طريق الالتزام بأوامره والانتهاء عن نواهيه. وقد تأكد ذلك المعنى فى القرآن الكريم بقوله تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". فكانت عبادة الله سبحانه وتعالى هى الهدف الأساسى لبنى البشر. وقد شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يكون من ضمن الخلائق كائنات مفطورة ومجبولة على الطاعة كالملائكة. فهم لا يملكون حرية الاختيار. فقد قال الله في شأنهم " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون". كذلك فقد شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن تكون هناك مخلوقات أخرى مجبولة على حرية الاختيار بين الطاعة والمعصية مثل الإنس والجن. ومن ثم كان لابد أن يتم إخضاع تلك المخلوقات لاختبار لتحديد من هم المستحقين للفضل والرحمة ومن هم المستحقين للنقمة والعذاب. وليس ذلك لعدم دراية منه سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. ولكن لأنه سبحانه وتعالى أراد أن يقيم الحجة على  عباده فلا يقول قائل منهم "لو أن الله هدانى لكنت من المتقين". فشاءت حكمته أن يكون هناك حياة وموت لكى يعطى الفرصة للعباد ليعملوا ويقيموا الحجة على أنفسهم إما بخير وإما بشر. وهو سبحانه وتعالى غنى كل الغنى عن ذلك، فعلمه أحاط بما سيفعل هؤلاء وأولئك ولكن الحياة والموت هما دليل قائم على عدل الله. فقد قال الله سبحانه وتعالى" تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور". فكان الهدف من هذه الحياة هو أن يعرف البشر أيهم أفضل وأكثر تقوى من غيره ومن هم الكفار والفجار المستحقين للعنة الله ونقمته دون إجبار ولا قهر. وقد يقول قائل وهل معنى ذلك أن العاصى قد غلب إرادة الله أو يقول إن الله هو الذى خلقنى وكتب على أن أعصيه، فما هو وجه العدل فى ذلك؟ والرد على ذلك أيضًا سهل وميسور بإذن الله. فالله سبحانه وتعالى قد كتب مقادير الخلق ولكن تلك الكتابة هى كتابة سبق علم وليست كتابة قهر وإجبار. فالله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان سيكون. أى أن علمه محيط شامل يسع كل شيء فى كونه. والدليل على ذلك مشاهد فى حياتنا. فقد يعلم المعلم مستوى تلاميذه ، ومن ثم يقوم بوضع درجاتهم فى كشف أولى. ولكن حتى يثبت لهم صحة تقديره، يقوم بعمل اختبار لهم. فتكون النتيجة مطابقة لما جاء بكشفه الأولى. فهل يمكن لأحد أن يقول أن المعلم قد فرض على الطلاب النجاح أو الرسوب؟ إن المسألة تتلخص فى سبق العلم والخبرة التى يتمتع بها ذلك المعلم. فإذا كان ذلك هو حال البشر، فما بالنا برب البشر؟ هل نستكثر على الله أن يعلم ما سنفعله من قبل أن يخلقنا وهو الخلاق العليم؟ كذلك فإنه لا تعارض بين إرادة الله وإرادة البشر عند اختيار طريق الهداية أو طريق الضلال. فالله سبحانه وتعالى يقول " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله". فمشيئة الله سبحانه وتعالى قد اقتضت أن يكون الإنسان حرًا يفعل ما يشاء، ولكنه سبحانه وتعالى طالبنا بطاعته والالتزام بأمره. فإن عصينا الله لا نكون قد فعلنا شيئًا على الرغم منه، فلا يوجد كائن من كان يستطيع أن يفعل شيء على غير إرادة الله. ولكننا حينما نعصى الله فإننا نكون قد خالفنا أمره. فهناك فرق بين المشيئة والأمر. فأنا قد أحبس ابنى فى البيت وأطالبه بعدم الخروج. فمهما يفعل الابن لن يستطيع الخروج. ومن الممكن أيضًا أن أعطيه المفتاح بإرادتى وأطالبه بعدم الخروج. فإن خرج الولد، فلا يكون فى هذه الحالة قد أجبرنى أو خالف إرادتى لأننى أنا الذى منحته حرية الاختيار من الأساس. وإنما يكون فى هذه الحالة قد خالف أمرى. فمن سار على نهج الله استحق أن ينال رحمة الله وفضله ويدخل الجنة يرتع فيها فى متع خالصة لا تشوبها شائبة. فالنعمة فى الجنة مصدرها الخالق المنعم مباشرةً دون أسباب ودون جهد ودون تعب أو نصب. أما فيما يتعلق بغير المؤمنين من الكفار والملحدين والمكذبين، فقد أوكلهم الله فى الآخرة إلى أنفسهم. فكما أنهم لم يؤمنوا به فى الدنيا، حرمهم فضله وعنايته فى الآخرة وطالبهم أن يدفعوا عن أنفسهم العذاب بقدرتهم كما كانوا يدعون فى الدنيا. ولا أظن أن هناك قانون أعدل من ذلك. فهو لم يجبرهم على الإيمان به عنوة، وإنما أوكلهم إلى أنفسهم. فمن استطاع منهم أن يدفع عن نفسه عذاب الآخرة فليفعل.  أما فيما يتعلق بفكرة " ما ذنب من ولد على غير الإسلام؟" أو "ما ذنب من ولد فى مجتمع لا يؤمن بالله؟" والجواب على ذلك ثابت فى القرآن الكريم حيث يقول سبحانه وتعالى " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا". وبما أن محمد صلى الله عليه وسلم هو آخر الرسل، فلن يكون هناك رسل آخرون إلى هؤلاء الأقوام. ولكن هناك دائمًا الدعاة إلى الله فى كل زمان ومكان وبكل لغة وبكل الوسائل المسموعة والمرئية والمقروءة . فهناك الكثير من مواقع الإنترنت التى يستطيع أن يتصفحها كل باحث عن الحقيقة. ومن لم تصله الدعوة إلى الله من خلال ذلك كله (وذلك أمر عسير)، فإن هؤلاء يكونون مثلهم مثل أهل الفترة الذين يختبرهم الله سبحانه وتعالى بنفسه فى الآخرة. فمن أجاب أمر الله استحق الجنة والرحمة، ومن أعرض فإنه قد استحق النار والعذاب وذلك وفقا لما دلت عليه الأحاديث فى سنة النبى صلى الله عليه وسلم. 
وقد يسترسل قائل ويقول "إن الله قد خلق البشر ووضع فيهم نقاط القوة ونقاط الضعف، فلماذا يحاسبهم على ضعفهم أمام أهوائهم وشهواتهم؟" ولمثل هذا القائل وغيره نقول : هل تعتقد أن الله قد غرس الضعف البشرى فى بعض البشر دون غيرهم؟ ألا ترى أن لكل منا ميول وشهوات؟ أليس البشر جميعًا يشتركون فى شهوة البطن والفرج والغضب وحب المال والسلطة والتمسك بالحياة وكراهية الموت؟ هل قصر الله هذه النزعات على أناس دون غيرهم؟ فالجميع يشتركون فى الصفات ذاتها. هل يمكن أن يقول قائل إن موسى عليه السلام كان فى مركز ووضع دنيوى أقوى من فرعون؟ فلماذا لم ينجح فرعون فى كبح جماح شهوة التكبر والتجبر لديه على الرغم من قوته الدنيوية؟ هل أرغمه أى كائن من كان على أن يسلك ذلك المسلك؟ ما الذى جعل قارون يقول "إنما أوتيته على علمٍ عندى" ولا يُحسن إلى الفقراء كما أحسن الله إليه بمنحه المال؟ هل أجبره أحد على ذلك؟ ألم يكن المال طوع أمره؟ ألم يكن يستطيع أن يتصدق ويفعل الخيرات؟ فما الذى منعه؟ ألم يرسل الله إلى فرعون رسولين وهما موسى وأخيه هارون عليهما الصلاة والسلام؟ ألم يطالبهما أن يرفقا به ويتناقشا معه بالحسنى؟ ألم يأمرهما بقوله " فقولا له قولا لينًا لعله يتذكر أو يخشى"؟ فما الذى منعه من التوبة والإنابة والعدول عن طريق البغى والغى؟ وفى المقابل تجد بلال بن رباح مؤذن النبى صلى الله عليه وسلم. بلال بن رباح العبد الحبشى الذى لم يثنيه شئ عن إيمانه حتى ولو كانت صنوف العذاب التى ذاق منها ألوانًا على أيدى مشركى مكة؟ هل كان بلال رضى الله عنه فى ذلك الموقف يتمتع بأى قوة؟ هل أعطاه الله أية ميزة دنيوية لم يعطيها أحدًا من خلقه؟ لماذا ثبت بلال على دينه رغم ضعفه الدنيوى بينما طغى فرعون وتجبر على الرغم من قوته وسطوته الدنيوية؟ هل الله سبحانه وتعالى أرغم أى منهما على أن يسلك الطريق الذى سلكه؟ لا أظننا تحتاج إلى مزيد من الاسترسال حول تلك المسألة. فالأمر واضح وجلى لكل من ألقى السمع وهو شهيد. وعلاوة على ما سبق، أدعو أصحاب تلك الدعوى إلى تدبر قوله سبحانه وتعالى " وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ،وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا". فهل يمكن لأى كائن من كان أن يتصور رحمة وسعة أعظم وأكثر رحابة من تلك الرحمة؟ هل تتخيل أنه بمجرد أن يتوب العاصى توبةً نصوحًا ويقلع عما كان يقترفه من موبقات، فإن الله يقبله فى عباده الصالحين ويبدل سيئاته لتصبح كلها حسنات. هل يمكن أن يفعل ذلك ظالم أو طاغية؟ هل تتخيل أن ينقلب الشرك والقتل والزنا إلى حسنات فى ميزان العبد بعد التوبة الصادقة؟  إن الله سبحانه وتعالى يقول " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً". فهل يمكن لهؤلاء المتشككين في عدل الله سبحانه وتعالى أن يرشدونا إلى وجه الظلم فى ذلك؟ ما هو العدل الذى يمكن أن ننشده بعد هذا؟ لا يبقى بعد ذلك إلا أن يفتح الله أبواب الجنة على مصراعيها للقتلة والزناة والطواغيت دون توبة من جانبهم. فهل هذا ما ينشده هؤلاء؟ وهل يكون ذلك هو العدل من وجهة نظرهم؟ هل يريد هؤلاء أن يتساوى من تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى مع من كفر وفجر وتكبر وتجبر؟  

والآن نصل إلى السؤال الأخير حول المسألة الخاصة باعتبار الإسلام الدين الحق الذى لن يقبل الله من العباد غيره وموقف الإسلام من الرسالات السماوية الأخرى. فالإسلام معناه الاستسلام والتسليم لله سبحانه وتعالى وحده دون شريك. فالمسلم يجب أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد هو عبد الله ورسوله، وأن يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويصوم رمضان ويحج إلى بيت الله إن استطاع ذلك من الناحية الصحية والمادية. كذلك فالمسلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر سواء أكان خير أم شر. إذًا فالإسلام يجمع فى طياته جميع الرسالات السابقة ويجعل الإيمان بالرسل السابقين وكتبهم شرطًا ليكون المرء مسلمًا. كذلك فإن الوجهة التى يقدمها الإسلام حول مسألة الخلق والثواب والعقاب والجنة والنار تقدم الطرح الذى يتماشى مع المنطق والعقل. فالإسلام أصل لفكرة الثواب والعقاب حتى يكون هناك سعى عادل فى الحياة الدنيا وحتى لا يستوى من يعملون الصالح مع من يعملون الطالح. فلو أن الأمر سواء ، فما مغزى الحياة؟ وما فائدة أن نحيا ونموت ونتساوى فى الآخرة بأن نحصل كلنا على الخلاص والفداء كما يرى البعض بغض النظر عمن كان يفعل الخيرات فى الدنيا أو من كان يقترف الموبقات؟ كذلك فإن مبدأ التوحيد فى الإسلام يجعله دين أقرب إلى العقل والمنطق. فالله سبحانه وتعالى واحد أحد متفرد بصفات لا يشاركه فيها أحد ولا ينازعه فيها منازع. لذلك استحق العبادة دون غيره. وهناك الكثير من الأدلة الأخرى مثل القرآن وما ورد به من تشريعات وحدود تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. فلو أن القرآن من عند غير الله، فما الذى يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يشغل نفسه بأمور مثل تحريم شرب الخمر والزنا والسرقة والقتل وما إلى غير ذلك من الأمور التى تستصعبها النفس البشرية. فلو أنه كان من طالبى الشهرة والشعبية، لأحل الزنا وشرب الخمر وما إلى غير ذلك من الملذات. وهناك الكثير من الديانات الوضعية التى تحل مثل تلك الأمور.
إن الإسلام هو الرسالة الخاتمة للرسالات السماوية. والأمر ثابت بنص القرآن فى قوله تعالى "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا"  ( سورة الأحزاب- الأية  40). فالسورة تقر نصًا أن رسالة النبى صلى الله عليه وسلم هى رسالة خاتمة وأنه هو النبى الخاتم. والسؤال الذى تقودنا إليه تلك الحقيقة بصورة مباشرة " إذًا ما هو موقف الإسلام من الرسالات السماوية الأخرى"؟ والجواب يأتى فى إطار السرد التاريخى لبداية الوحى الإلهى كما ورد فى القرآن الكريم. فبعد أن وسوس الشيطان لآدم وحواء وكان سببا فى خروجها من الجنة، جاء أمر الله سبحانه وتعالى بهبوطهما إلى الأرض وكذا هبط إبليس. وقد ورد ذلك فى قوله تعالى "  قلنا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ".  ( سورة البقرة – الأية 38) . والهدى المشار إليه في الآية هو الوحى الإلهى الذى يرسله الله سبحانه وتعالى إلى بنى آدم عن طريق رسله وأنبيائه عليهم السلام. وحتى نقف على طبيعة تلك الرسالات ونتعرف على فحواها والمقصد من ورائها، يمكن أن نمعن النظر في حديث القرآن عن الرسل السابقين على النبى محمد صلى الله عليهم أجمعين لنقف على مضمون تلك الرسالات وموقف الإسلام منها. فنجد في سورة البقرة – الآية 133 قوله تعالى : "أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ". ويتضح من الآية أن أنبياء الله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط من أولاده وهم آباء بنى إسرائيل كانوا جميعًا يعبدون الله الواحد الأحد وهم جميعهم مسلمون له. كذلك نجد فى دعاء يوسف الصديق عليه السلام والذى أورده القرآن فى سورة يوسف- الآية 101 "رب قد أتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الاحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليى فى الدنيا والأخرة توفنى مسلما والحقنى بالصالحين" إقرارًا بتوحيده لله سبحانه وتعالى وبأنه مسلمًا لله. كذلك فى قول موسى عليه السلام لقومه فى سورة يونس – الآية 84 " وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ" وفى ذلك أيضا بيان واضح أن رسالة موسى عليه السلام هى توحيد الله سبحانه وتعالى ودعوة قومه ليكونوا مسلمين لله. كذلك في قول الحواريين للمسيح عيسى عليه السلام في سورة آل عمران – الآية 52 " فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" بيان واضح بأن رسالة المسيح عليه السلام هى التوحيد ودعوة قومه ليكونوا مسلمين لله سبحانه وتعالى. فمن كل ما سبق يتضح بما لا يدع مجال للشك أن الله سبحانه وتعالى يوضح للجميع من خلال القرآن الكريم أن الهدى المقصود من كافة الرسالات السماوية هو توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة والإسلام له عن طريق اتباع أوامره واجتناب نواهيه. لذلك فإن مفهوم الدين كما أقره القرآن الكريم هو أن يسلم الإنسان زمام قيادته في حياته لله سبحانه وتعالى وهو الأمر الذى أقره الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران – الآية 19 "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ". ويتضح من الآية أن مفهوم الدين الذى يرضاه الله سبحانه وتعالى من خلقه هو أن يقوم الإنسان بعبادة الله وحده ولا يشرك به شيئَا وأن يسلم له بأن يطيعه في كل أمور حياته ولا يعصيه. في الوقت نفسه، نجد أن الله سبحانه وتعالى حين تحدث عن إبراهيم عليه السلام في سورة آل عمران – الآية 67 قال " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" . وفى ذلك دليل على تنافى مفهوم التوحيد مع ما يعتقده أصحاب العقائد الأخرى لأنهم لم يسيروا على نهج رسلهم في التوحيد وتسليم زمام القيادة في حياتهم لله سبحانه وتعالى وإنما حرفوا وبدلوا. لذلك فالإسلام لا يضفى قدسية على تلك المعتقدات ولا ينزلها منزلة الدين الواجب على الناس اتباعه لأنه قد تم تفريغها من مضمونها الأساسى وهو توحيد الله سبحانه وتعالى. ونحن كمسلمين نؤمن بالكتب السماوية التى أنزلها الله سبحانه وتعالى على رسله إجمالًا وليس تفصيلًا. فنحن نؤمن بصحف إبراهيم عليه السلام ونؤمن بالزبور الذى أنزله الله على داوود عليه السلام ونؤمن بالتوراة التى أنزلها الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام ونؤمن بالإنجيل الذى أنزله الله سبحانه وتعالى على عيسى عليه السلام، لكن إيماننا بتلك الرسالات هو إيمان بثبوت الرسالة للرسول الذى جاء بها وليس إيمان بالمحتوى والشرائع لأن المحتوى قد تم تحريفه بنص القرآن. فلا مجال للحديث عن تقديس لشرائع ثابت لدينا تحريفها. والمسلم يلزمه إجمالا وتفصيلًا الإيمان بما جاء به الإسلام على وجه التفصيل دون غيره. وذلك ثابت بنص القرآن في قوله تعالى في سورة التوبة – آية 33 "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ". وأقول مجددًا فلا مجال للحديث عن صحة شرائع أو عقائد أخرى من باب التسامح أو قبول الآخر أو غيره. ولكن كل ما سبق لا يمنع من أن يكون هناك تعايش واحترام ومودة بين الجميع. فكل حر فيما يعتقد. ولو كان ثمة من لا يؤمن بما سبق فهذا شأنه. ونحن نردد ما ذكره الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم في سورة آل عمران – الآية 64 " قلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ".
أخيرًا أرى إنه من الأهمية بمكان طرح رؤية تتعلق بمدى توافق شرائع الإسلام مع بعض التيارات الفكرية مثل العلمانية. والعلمانية تعنى بالضرورة الفصل التام بين كل ما يتعلق بشؤون الحكم وسياسة الدولة وبين كل ما له صبغة دينية من أفراد ومؤسسات وأحكام وشرائع تحقيقًا لمبدأ المساواة من وجهة نظر أرباب ذلك المنهج وحفاظًا على الحريات العامة والخاصة حسب رؤيتهم.والعلمانية فى أوربا جاءت كنتيجة مباشرة للتسلط والهيمنة الكنسية على كافة مجريات الحياة والتى أدت بدورها إلى فساد الحاكم والمحكوم. فالقائمون على الكنيسة قاموا بتنحية الإنجيل واتخذوه وراءهم ظهريًا وجعلوا من أنفسهم وسطاء بين الله وخلقه وأوصياء عليهم يحرمون ويحلون بحسب أهواءهم. فأقاموا للناس محاكم التفتيش وأحرقوا أصحاب الفكر وذوى الرأى بعد أن اتهموهم بالتجديف والهرطقة دون سند مما شرعه الله وأنزله عليهم فى كتبهم. فكان بديهيًا أن ينفر الناس من الدين وأهله لأن الدين قد تحول إلى أداة لإخراج الناس من عبادة رب العباد إلى عبادة بشر أمثالهم. فلم تكن تلك الأمم لتتقدم فى ظل تلك الهيمنة الدينية الزائفة التى لا تستند إلى شرع أو وحى من عند الله. وإذا كان الدين فى الحالة الأوربية سالفة الذكر معولًا للهدم، فإن الإسلام كان المحور الأساسى الذى جعل من عدة قبائل متشرذمة ومتناحرة أمة رائدة أنتجت حضارة كانت منارة للشرق والغرب بعد أن استطاعت إقامة دولتها فى غضون بضع عقود وذلك فى مواجهة جحافل الفرس والروم التى استطاعت تلك الدولة الإسلامية الوليدة دحرها مجتمعة. ولعل ذلك يرجع إلى تلك الروح الفريدة التى بثها الإسلام فى أتباعه والتى عبر عنها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه بقوله " إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله". والعلمانية كمنهج لا يستقيم مع صحيح الإسلام. فالحكم في بلاد المسلمين لا يكون إلا بشرع الله. فالله سبحانه وتعالى يأمر النبى صلى الله عليه وسلم وحكام المسلمين من بعده في سورة المائدة الآية 49- بقوله " وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوْكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيْدُ اللهُ أَنْ يُصِيْبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوْبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيْرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُوْنَ." فتحكيم شرع الله ليس خيارًا وإنما هو أصل من أصول الإيمان. ولا يمنع ذلك على الإطلاق من أن يقوم غير المسلمين في بلاد الإسلام من الاحتكام لما يؤمنون به في أحوالهم الشخصية . وأما فيما يتعلق بعامة أمور الدولة، فيتيعن أن يتم صياغتها بشكل يتفق مع الشرع وهو أمر لا يضر غير المسلمين لأنه لا يمس معتقداتهم. أما في البلاد غير الإسلامية والتى لا تقيم الشرع، فيتعين على المسلمين إقامة الشرع فيما يتعلق بأحوالهم الشخصية وسلوكهم وحياتهم اليومية، كما يتعين عليهم عدم الانخراط في التعامل في النواحى العامة التى تخالف الشرع مثل التعامل بالربا وغير ذلك من الأمور التى تنص عليها النظم في تلك الدول.
وفي النهاية وكما سبق وأشرت، أنا لم أتناول ما سبق من باب فرض الرأى أو معاداة الآخر والتقليل من شأنه والنظر له بنظرة دونية ولا أسعى أبدًا للحكم لأحد أو على أحد بجنة أو بنار، وإنما هى محاولة للوقوف على طريق الحق ودرء الشبهات التى أضحت صنعة لكل ناعق يريد أن يلبس على الناس ويزرع فيهم الشك والريبة. والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل.